ساسي سالم الحاج

40

نقد الخطاب الاستشراقي

بعض منهم يبحث عن طرق للخلاص من هذه الهيمنة الدينية المقرونة بالسيطرة السياسية التي تناقض الكبرياء العربية المعهودة ، خاصة وأن العرب شاهدوا ضعفهم الظاهر أمام القوى العالمية التي عاصرتهم . كما لمسوا تفرّقهم ، واستغلالهم من قبلها للدفاع عن مصالحها . ففكروا في اتحاد قوي يضم شتاتهم ، وينظم صفوفهم ، ويدفع بهم إلى حماية مصالحهم ، ولا يتأتّى ذلك إلّا بتأسيس دولة عربية مستندة إلى عقيدة تتلاءم والمعطيات السياسية التي تتحكم في مصير عالمهم ، وتوافق توجهاتهم الدينية ، وتؤلّف قوة محترمة تسامي الإمبراطوريات الكبرى المحيطة بهم ، هذه الدولة القوية هي الحاجة الملحة التي تفرضها الظروف في ذلك الزمان . وهكذا فتحت الأبواب أمام رجل عبقري ليس هناك من يضاهيه لتحقيق هذه الأهداف ، وقد ولد هذا الرجل فعلا في هذه الأيام . وهذا هو تفسير « رودنسون » المادي لبدء سيرة نبيّنا العربي عليه الصلاة والسلام . وإذا كان المستشرقون قد ركزوا على العوامل الاقتصادية والسياسية التي أدت - حسب رأيهم - إلى ظهور الدعوة الإسلامية فإنهم لم يغفلوا العوامل الدينية والأخلاقية التي ساعدت بدورها على بلورة هذا الدين الذي يدعو منذ بدايته إلى « الوحدانية » والذي استند - بالإضافة إلى ذلك - إلى العوامل الاجتماعية والأخلاقية التي ساعدت على ظهوره وانتشاره ، فما آثار هذه العوامل في نشأة وانتشار الدعوة الإسلامية في نظر المستشرقين يا ترى ؟ ركّز « مونتجمري وات » في كتابه « محمد في مكة » على البيئة الاجتماعية والأخلاقية في الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام . ويرى هذا المستشرق - وهو محق في ذلك - زيادة العصبية القبلية بسبب ظروف الحياة القاسية في الصحراء . ولكن لا تتطور أية قبيلة إلى أبعد مدى حتى تكوّن وحدة واحدة مستقلة لأنها تنقسم بسرعة إلى بطون وعشائر وأفخاذ وغالبا ما ينشب الصراع العسكري بينها لأتفه الأسباب . وقد نجم ذلك عن تلك الخصائص القبلية المعتمدة على القوة ، والأخذ بالثأر وظهور الأحلاف وحق الجوار . ويرى الأب « لامانس » أنه بالرغم من قوة العصبية القبلية فإن أفرادها يميلون عادة إلى النزعة الفردية « 1 » . وهناك من يعيشون على هامش هذه القبائل فيثيرون الاضطراب ،

--> ( 1 ) لامانس ، مهد الإسلام ، ص 187 وما بعدها ذكره « وات » في كتابه « محمد في مكة » ص 45 .